أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 87
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
فلو شاهد الراوي - لمرّة واحدة - شخصاً ينام عند الواحدة مثلًا ، لا يقول : رأيته مرّة قد نام عند الواحدة ، بل يقول : كان ينام عند الواحدة ، فيظنّ المستمع أنّ الراوي شاهده لعدّة مرّات ينام عند الواحدة ، بينما الأمر ليس كذلك . وهذه النماذج قد تتكرّر في الكتاب ، ولكنّي لم أعلّق عليها بشيء إذ لا سبيل لذلك ، واكتفيتُ بالإشارة إلى هذه المشكلة هنا . ازدياد درجة الكشف في الأخبار الاستطراديّة وممّا نلاحظه أنّ الخبر المنقول استطراداً ترتفع فيه درجة الكشف عن الحادثة ، لتناقص احتمال الوضع والدسّ ، باعتبار أنّ الوضع يحتاج إلى شيءٍ من التخطيط لكي لا يبتلى بالتهافت . . هذا في الحالات التي يحرز فيها كونه استطراديّاً ، وأنّ الاستطراد لم يكن عمديّاً وبهدف تمويه عمليّة الوضع . الانطلاق من قبليّات لا مبرّر علميّ لها أشرنا في هذه المقدّمة إلى أنّ إحدى الخلافات المعرفيّة بين السيّد الصدر وبين مشهور العقليّين يكمن في أنّهم فسّروا القضايا المتواترة وأخواتها على أساس كبرى عقليّة أوليّة قبليّة افترضوها في هذا الباب ومفادها « استحالة الاتّفاق الدائمي » كما عبّروا عنها ، بينما وقف السيّد الصدر ( ره ) في مقابل ذلك ليؤكّد على أنّ هذه القضيّة المذكورة ليست قبليّة ، وإنّما هي بَعْديّة يحدّد تحقّقها أو عدمه حساب الاحتمالات تبعاً لنموّه متأثّراً بالعاملين الكمّي والكيفي للقرائن المتراكمة . لسنا بصدد الحديث عن آراء السيّد الصدر ( ره ) الفلسفيّة ، ولكنّنا أحببنا أن ننقل هذا الخلاف إلى مجال البحث التاريخي لنسلّط الضوء على خلافٍ مشابهٍ في تكوين الانطباعات التاريخيّة : فهناك اتّجاهٌ في البحث التاريخي يفترض وجود صورة معيّنة حول واقعٍ معيّن - وهي تقابل القبليّات العقليّة التي يفترضها البحث الفلسفي الأرسطي - ويجعل هذه الصورة القبليّة معياراً لقبول أو رفض الأخبار ، مع أنّه لا مبرّر لتكوين هذه الصورة سوى أنّه يحلو له أن تكون صورة الواقع على ذلك النحو . وفي المقابل هناك اتّجاه آخر يجعل الأخبار الموثوقة معياراً لتكوين القناعات والانطباعات التاريخيّة آخذاً بعين الاعتبار عامل ( منطق طبائع الأشياء ) ، وبالتالي يجعلها معياراً لتقييم الأخبار الضعيفة سنداً أو دلالةً . وإنّي وإن لم أظهر شيئاً من قناعاتي وانطباعاتي في الكتاب ، إلّا أنّني أؤمن في مجال البحث التاريخي بصحّة الاتّجاه الثاني ، إضافةً إلى بطلان التفسير الأرسطي على صعيد البحث المنطقي . دخالة الراوي في رسم الحدث التاريخي إنّ من النتائج المهمّة التي خرجتُ بها من هذه التجربة قناعتي التامّة بأنّ الراوي - بما يختزنه من مواقف ومشاعر - غالباً ما يكون عنصراً فاعلًا في تحديد مسار شهادته ، وبالتالي في رسم الصور التاريخيّة .